بقلم ابراهيم عبدالله بقال سراج
المعروف ان الادارة الاهلية اصلاً خرجت من رحم القبيلة والتي ظلت تشكل وتلعب دوراً محورياً في نشاط المجتمع وحركته لقرون خاصة في الريف الدارفوري وكان لزعماء الادارة الاهلية ورموزها سلطاتهم وهيبتهم التي سخروها للدفاع عن قبائلهم وتأمين افرادها من الخوف في بيئة مشبعة بثقافة الحرب واستباحة الاخر .
اكتسبت الادارة الاهلية شرعيتها بصدور قانون المشايخ العرب عام 1922م والتي تلته قوانين وتشريعات لاحقة زحفت بعدها الادارة الاهلية لكل بقاع السودان ريفاً وحضراً ومعلوم ان الادارة الاهلية قامت علي بناء النسيج القبلي الذي ساد المجتمع وتحكم في مصائره لقد كان المستعمر بحاجة ماسة لنقل تجربة الحكم غير المباشر والتي اصابت نجاحاً باهراً في هذا الصدد حتي تكون له عوناً وسنداً في ادارة البلاد خاصة مناطق الريف , لقد وجد المستعمر في الادارة الاهلية جهازاً ادارياً قليل التكلفة واسع الانتشار وبالغ الاثر في المجتمع القبلي فتم تعيين زعماء القبائل وقياداتها رؤساء للادارة الاهلية بمسمياتها المختلفة وفقاً لتقاليد واعراف كل منطقة منعم السلاطين , الملوك , النظار , المقاديم , الدمنقاوي , الشيوخ .
ومهما كان الامر فأن الادارة الاهلية لعبت دوراً هاماً ومحورياً في بسط الامن والاستقرار وبناء العلاقات القبلية وحسن الجوار والتعايش السلمي بين مختلف المجموعات الاثنية هذا اضافة لتفانيها في خدمة الانظمة المتعاقبة استعمارية ووطنية وشمولية وديمقراطية وعسكرية فقد كان الية فاعلة في تحصيل اموال الدولة وفي حفظ الامن والاستقرار وملاحقة النهب المسلح وقطاعي الطرق ومحاكمتهم وفقاً لاعراف وتقاليد كل قبيلة في دارفور , هذا هو عمل الادارة الاهلية في السابق ودورها القبلي في قضايا الاعراف والتقاليد .
ولكن بالرغم من كل هذا الدور الهام والاداء الطيب للادارة الاهلية في القرون والسنين الماضية الا انها تعرضت للاستهداف والاختراق من قبل الحكومات المتعاقبة علي حكم السودان وخاصة الحكومة الحالية المسماة بحكومة الانقاذ فأصابت الادارة الاهلية بالضعف والوهن يوم ادارت ظهرها وتنكرت للفكرة والفلسفة التي اوجدتها وارتمت في احضان الاجهزة الرسمية للدولة وحجزت مكانها في موكب الساسة وتم تسيس رجل الادارة الاهلية لخدمة اجندات الدولة والحزب الحاكم ( المؤتمر الوطني ) وابتعدت عن الشأن القبلي ومجتمع الق بيلة وقضاياها وهمومه والاعراف الخاصة به فأنشغل بالفروع عن الاصل الذي انحدرت منه وصنعها .
ان الزج بالادارة الاهلية في متاهات السياسة والعزاءات ومحاولة كسبها واتخاذها مطية وداء طيعة واتخاذها كوجبة دسمة في مائدة الحكومة لتنفيذ السياسات غير ذات الصلة بالشأن بأختصاصاتها وواجباتها الاهلية ادخلها في قفص الاتهام وشك في مصداقية قياداتها وزعزع الثقة فيهم وفقدوا بذلك اهليتهم وحياديتهم المطلوب لفض النزاعات وابعدهم من المشاركة في مجلس الاجاويد ومجالس الصلح ومؤتمرات الصلح القبلي , ان اصرار الحكومة علي حضورها الدائم وسط قيادات القبائل وهم يعالجون المشاكل وفقاً للاعرافهم وتقالديهم القبلية ومواثيهم المعروفة , هذا الوجود الحكومي غير مستحب بعد ان استقل بعض المسؤلين هذه المناسبات للدعاية لانفسهم وللدولة والحزب الحاكم والتطبيل للمؤتمر الوطني بأعتبارها انجازات تحسب لهم وللنظام والحزب الحاكم يجب ان يترك رجل الادارة الاهلية ليؤدي عمله بحرية تامة دون رقابة واملاءات واغراءات مادية او سلطوية وتبقي الادارة الاهلية اليوم هي المؤسسة الوحيدة القادرة علي التصدي لكثير من الخلافات ولها الاستطاعة لترميم ورتق النسيج الاجتماعي المهتري وبناء الثقة بين القبائل مالم يخضعوا لاي مؤثرات وضغوطات من الحكومة التي تدخلت في شأن الادارة الاهلية وسيست زعماءها , نحن اليوم احوج ما نكون للادارة الاهلية وحكمة زعماءها لانقاذ الموقف الدائر في دارفور الان ولكن رجل الادارة الاهلية نفسه لا يستطيع حماية نفسه من هجمات الحكومة ومليشياتها الجنجويد بل اصبح رجل الادارة الاهلية جزءا اساسياً في تكوين هذه المليشيات بل يأخذ مرتباً شهرياً من الحكومة مقابل انتمائه للحكومة وينفذ كل ما يأمره بها الحكومة اي بمعني ان الادارة الاهلية الان اصبحت حكومة رسمياً ونادراً ما تجد رجل او زعيم ادارة اهلية لا يتبع للمؤتمر الوطني الا من رحم ربه بل اصبحوا الان ريموت كنترول في يد الحكومة يحركم كما تشاء في اي مكان وزمان وينفذون كل ما يأمرهم بها الحكومة اصبحوا كالريموت تحولهم الحكومة في اي اتجاه تريده , تذهب بهم الي المفاوضات كوفد حكومي مفاوض وتذهب للمؤتمرات كأعضاء في المؤتمر الوطني ومهمتهم فقط تاييد كل ما تقرره الحكومة وادانه ما ترفضة الحكومة والظهور في شاشات التلفاز بأن قبيلة كذا بايعت وانضمت للمؤتمر الوطني بقيادة زعيم القبيلة الفلاني ابن علان , عشنا وشفنا وعرفنا ان القبيلة كيان اجتماعي وليست تنظيماً سياسياً ولكن في عهد حكومة الانقاذ اصبحت القبيلة مؤتمر وطني وليس كيان قبلي اجتماعي فحكومة الانقاذ عودتهم علي التعينات في المواقع الدستورية والسياسية وعلمتهم الجري واللهث وراء المكاسب الخاصة بهم لم نسمع طيلة فترات الحكم السابق ولا في اي دولة اخري ان سلطاناً من قبيلة كذا يتبع للتنظيم الحاكم الا في عهد حكومة الانقاذ حيث تجد الشرتاي تم تسيسه وتعينه والياً لغرب دارفور والشرتاي الاخر مستشاراً بحكومة ولاية جنوب دارفور والدمنقاوي وزيراً ولائياً بولاية شمال دارفور والعمدة معتمداً لمحلية كذا بأحدي ولايات دارفور والشيخ مسئؤلاً عن دائرة التنظيم بالمؤتمر الوطني والسلطان عضواً بالمجلس الولائي او الاتحادي ممثلاً للمؤتمر الوطني والناظر مفوضاً لاحدي المفوضيات ممثلاً للمؤتمر الوطني وهكذا ابتعدت الادارة الاهلية عن الشأن القبلي وارتمت في احضان الحكومة لهثاً وراء المال والسلطة والجاه ودون خجل يرفع شعارات هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه وهو اول من يجري وراء السلطة والمال والجاه وهو من يمثل المؤتمر الوطني ولا يمثل ادارته الاهلية .
في عهد حكومة الانقاذ تم رفض وتعين نظار وشراتي وسلاطين وشيوخ وديمنقاوات دون مشورة مجتمع القبيلة كما حدث في ولاية جنوب دارفور وغرب وشمال دارفور سياسة الولاء القبلي والتسيس القبلي داخل مجتمع دارفور صنع زعماء من بني جنس المؤتمر الوطني وصار قبيلتهم المؤتمر الوطني وتركوا دورهم التقليدي والعرفي والاهلي داخل مجتمع القبيلة وسال لعابهم بمال الانقاذ وباعوا قضايا اهلهم بثمن بخس دراهم معدودات في سوق السياسة وقل الاحترام العرفي بسبب الظلم والقهر التي تمارسها الحكومة دون محاسبة من احد وظهرت عصابات خرجت عن كنف القبيلة ( الجنجويد ) واصبحت ساسات الوالي والمعتمد هي السلطات العليا ولا سلطة لزعيم الادارة الاهلية والقبيلة
والغريب في الامر الذي تم استحداثه مؤخراً في عهد حكومة الانقاذ الحالية , معتمد محلية يستدعي سلطان قبيلة ويصدر له الاوامر والتعليمات وما علي السلطان الا تنفيذ الاوامر الصادرة من حضرة المعتمد حرفياً في قمة من الدونية والاستبدادية
ولكن بعد كل هذا ومهما كان فان الادارة دور الاهلية واعادتها وتأهيلها ليقوم بواجباتها امر مهم للغاية ومطلوب في اعادة الاوضاع لسابق عهدها كما كانت في السابق وهي مطلوب لبناء واعادة الثقة بين القبائل والتعايش السلمي واعادة رتق النسيج الاجتماعي ولكن السؤال المحوري الذي يفرض نفسه واود توجيه عبر هذا المقال .
هل يمكن اعادة دور الادارة الاهلية لسابق عهدها وتكون كما كانت في السابق وتضطلع بواجباتها ومهامها في ادارة الشأن القبلي والابتعاد عن الشأن السياسي وتكون فاعلة في صناعة السلام القبلي وصيانته من الشوائب والتدخلات الحكومية والحزبية واعادة رتق النسيج الاجتماعي لسابق عهدها كما كانت واجراء المصالحات القبلية بين ةالقبائل المتناحرة مع بعضها البعض وفقاً للاعراف القبلية المعروفة ( نظام الجلوس في قعر الشجرة وضل الراكوبة ) لحل الاشكاليات بالاعراف القبيلة السابقة , بالقطع الاجابة تكون ( لا ) والف ( لا ) بل مليون ( لا ) لسبب واحد لا ثاني ولا ثالث لهما لاننا ليس بمقدورنا ادارة عجلة التاريخ الي الوراء وليس بمقدورنا استحداث واستنساخ شخصيات ورموز عرفوا التاريخ وعرفهم التاريخ بالنزاهة والشفافية والوضوع والعدالة والمساواة والتجرد من الانتماءات الحزبية والحكومية امثال ( السلطان عبدالرحمن فرتي , والسلطان دوسة , والناظر مادبو , ودبكة والغالي والسهيني , والسماني والتعايشي وادم رجال والسلطان علي دينار واسماعيل سمي جدو , ورحمة الله فهؤلاء كانوا رجال ورموز حقيقية عرفهم التاريخ ولهم الحكمة والدراية في ادارة الشأن القبلي لدارفور بصفة عامة وليس لقبائلهم فحسب بل لدارفور بجميع قبائلها فهؤلاء كانوا بالفعل محل احترام وتقدير لدي جميع مكونات دارفور ولا يميزون بين هذا عربي وذااك برتاوي وتلك ارنقاوي والاخر زغاوي وغيره فلاتي ولا هباني ولا مسلاتي ولا فوراوي بل جميع قبائل دارفور عندهم واحد .
ولكن انظروا اليوم الي رجل الادارة الاهلية وهو يتحدث في شاشات التلفاز واول كلمة يقوله ( انا زعيم قبيلة كذا وابايع المؤتمر الوطني وارفض حمل السلاح والتدخل الدولي ) وهكذا باعوا انفسهم رخيصة للحكومة وسكنوا الفنادق في الخرطوم وتجولوا في عواصم الدول وتاجروا بأسم دارفور وركبوا العربات الفارهة وتسكعوا في موائد الحكومة فأمتلات بطونهم من اموال الحكومة وامتدت كروشهم , رحم الله الادارة الاهلية في دارفور التي اصبحت وجبة دسمة في مائدة الحكومة ونسأل الله ان يهديهم فأنهم اصبحوا من الغربة الضالين








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية